أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
121
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقال مكي : « مُصَدِّقُ الَّذِي » نعت للكتاب ، على حذف التنوين لالتقاء الساكنين ، و « الَّذِي » في موضع نصب ، وإن لم يقدر حذف التنوين كان « مُصَدِّقُ » خبرا بعد خبر ، و « الَّذِي » في موضع خفض » . وهذا الذي قاله غلط فاحش ، لأن حذف التنوين إنما هو للإضافة اللفظية ، وإن كان اسم الفاعل في نية الانفصال ، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين إنما يكون في ضرورة ، أو ندور ، كقوله : 1992 - . . . * ولا ذاكر اللّه إلّا قليلا « 1 » والنحويون « 2 » كلهم يقولون - في : هذا ضارب الرّجل - : إن حذف التنوين للإضافة تخفيفا ، ولا يقول أحد منهم في مثل هذا أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين . قوله : « وَلِتُنْذِرَ » قرأ الجمهور بتاء الخطاب ، للرسول عليه السّلام . وأبو بكر عن عاصم بياء الغيبة ، والضمير للقرآن ، وهو الظاهر ، أي : ينذر بمواعظه وزواجره ، ويجوز أن يعود على الرسول عليه السّلام للعلم به . وهذه اللام فيها وجهان : أحدهما : هي متعلّقة ب « أنزلنا » عطفا على مقدر ، فقدره أبو البقاء : ليؤمنوا ولتنذر » ، وقدره الزمخشري ، فقال : « وَلِتُنْذِرَ » : معطوف على ما دلّ عليه صفة الكتاب ، كأنه قيل : أنزلناه للبركات ، ولتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار . والثاني : أنها متعلّقة بمحذوف متأخر ، أي : ولتنذر أنزلناه . وقوله : أُمَّ الْقُرى يجوز أن يكون من باب الحذف ، أي : أهل أم القرى ، وأن يكون من باب المجاز ، إطلاقلا للمحل على الحال . وأيهما أولى ؟ - أعني المجاز أو الإضمار ، للناس في المسألة ثلاثة أقوال ، تقدم بيانها ، وهذا كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 3 » وهناك وجه لا يمكن هنا ، وهو أنه يمكن أن يكون السؤال للقرية حقيقة ، ويكون ذلك معجزة النبي ، وهنا لا يتأتى ذلك ، وإن كانت القرية نفسها هنا تتكلم ، إلّا أن الإنذار لا يقع لعدم فائدته . وقوله : « وَمَنْ حَوْلَها » عطف على « أَهْلِ » * المحذوف ، أي : ولتنذر من حول أمّ القرى ، ولا يجوز أن يعطف على « أُمَّ الْقُرى » ، إذ يلزم أن يكون المعنى : ولتنذر أهل من حولها ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك ، لأن « مَنْ حَوْلَها » يقبلون الإنذار . قال الشيخ : « ولم تحذف « مَنْ » فيعطف « حول » على « أُمَّ الْقُرى » ، وإن كان يصح من حيث المعنى ، لأن حول ظرف لا يتصرف ، فلو عطف على « أُمَّ الْقُرى » لصار مفعولا به ، لعطفه على المفعول به ، وذلك لا يجوز ، لأن العرب لم تستعمله إلّا ظرفا » « قوله : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه مرفوع بالابتداء ، وخبره : « يُؤْمِنُونَ » ولم يتحد المبتدأ والخبر ، لتغاير متعلقيهما ، فلذلك جاز أن يقع الخبر بلفظ المبتدأ ، وإلّا فيمتنع أن يقول : « الذي يقوم يقوم ، والّذين يؤمنون يؤمنون » ، وعلى هذا فذكر الفضلة هنا واجب ، ولم يتعرض النحويون لذلك ، ولكن تعرضوا لنظائره . والثاني : أنه منصوب عطفا على « أُمَّ الْقُرى » ، أي : ولتنذر الّذين آمنوا ، فيكون « يُؤْمِنُونَ » حالا من الموصول ، وليست حالا مؤكدة ، لما تقدم لك من تسويغ وقوعه خبرا ، وهو اختلاف المتعلق . والهاء في « بِهِ » تعود على « القرآن » ، أو على « الرسول » . « وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ » حال ، وقدم « عَلى صَلاتِهِمْ » ، لأجل
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 425 ) ، المقتضب ( 3 / 227 ) ، المغني ( 2 / 911 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، آية ( 82 ) .